أبونا ومولاناالشارع السياسي

أشرف رشاد يكتب: التجربة السياسية في دولة النبي

قصة كتاب نادر عن المولد النبوي فاز في مباراة إسلامية و الأوقاف تقر أشعاره في الحفلات الدينية | صور - بوابة الأهرام

 

  قد لا أكون متجاوز الإنصاف إن قلت أننا معشر القنائيين ومعنا ومثلنا أو قبلنا أهل أسوان، الأكثر فرحًا بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في مولده الشريف عن غيرنا في مظاهر الإحتفال الشعبي بهذه الذكرى الطيبة على قلوب المسلمين.

وقد لا أكون متاجوز الإنصاف إن قلتُ أن مصر هي الدولة الأكثر احتفاءًا بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم على المستوى الرسمى والشعبي، فهي المناسبة التي لم يغب عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي، ولا أي رئيس قبله أو ملك حكم الكنانة من قبل في الإحتفال الرسمي الذي يقام لها من كل عام، حتى أن هذه المناسبة من مكانتها أنها ترتبط بإجازة رسمية في البلاد، وهي أيضًا المناسبة التي تتخذ منها الدولة المصرية أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لواحدة من أهم صفاته وهي صفة “العفو” فيصدر الرئيس فيها قرارًا رسميًا بإخراج  كثير من المساجين من السجن تعميقًا لقيم العفو التي جاء بها إلى البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بمشاركة الرئيس السيسي.. وزارة الأوقاف تقيم احتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف - كورة في العارضة

والعفو الذي كان من شيمته الحاضرة دومًا صلى الله عليه وسلم، لم يكن أمرًا دينيًا أتى به فحسب، إنما كان جوهر من جواهره الشخصية الكثيرة عليه الصلاة والسلام، وهى الجواهر التي مثّلت وتمثّل نظريات قانونية وسياسية في الدولة والدين على حدٍ سواء.

فلم يكن المصطفى عليه الصلاة والسلام قائدًا دينيًا فحسب بل كان رجل دولة وسياسي له بصمته المتفردة التي توقف عندها كثير من المفكرين العالميين وهم يرصدون التجربة السياسية في دولة النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

من ذلك مثلًا، أنه كان يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وكانت له في ذلك الكثير من المحطات المبهرة صلوات الله وسلامه عليه، وحينما يقف المتأمل في تفاصيل وثيقة المدينة يجد نفسه أمام دستورٍ سياسي يُشكل نبراس حقيقي في تعميقه مفهوم دولة المؤسسات وقيم المواطنة والقانون، لقد كانت وثيقة المدينة أول قانون وضعه النبي محمد لرسم حدود العلاقة بين المواطنين في الدولة الوليدة بالمدينة وقتها.

 

كان النبي صلوات الله وسلامه عليه سباقًا في تأسيسه دولة المواطنة إذ قال في هذه الوثيقة: ” أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم”

هذا الدستور العبقري الشامل أسس في فجر الإسلام لدولة القانون ولمنطق التعايش السلمي الذي تقوم عليه الدولة المدنية، كما أنه على ناحية أخري أعلى من قيّم الكفاءة في إسناد المهام إلى أصحابها الأكفاء دون غيرهم، فاعطى لخالد بن الوليد قيادة الجيش، ولم يكن  بن الوليد رجل دين، بل لم تنقل لنا كتب الصحاح أن سيف الله المسلول سيدنا خالد عليه رضوان الله أنه كان من رواه الحديث، وعلى ذلك لم يُسلّم  المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة وهو من أكثر الرواه عنه.. قيادةً لجيش ولا إمارةً على منطقة، كانت دولة الإسلام واضحة في تطبيقها قواعد الإدارة الحديثة:” الشخص المناسب في المكان المناسب”.

رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تخل من البعد السياسي والعسكري في إدارة شئون الدولة الوليدة، ففي غزوة بدر حين راجعه الحباب بن المنذر عن خطة الحرب “أمنزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟”، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: “بل هو الرأي والحرب والمكيدة”، في واحدة من مواقفه صلى الله عليه وسلم، التي أسست لإعلاء مبادئ التخصص وتقسيم العمل.  

وهنا يحضرني موقف سيدنا سلمان الفارسي في غزوة الأحزاب أو الخندق، وذلك بعدما سمع الصحابة بأنه جرى تكوين تحالف للإجهاز على الدولة الوليدة في المدينة المنورة، وهي أن المدينة التي كانت تحيط بها الجبال من بعض النواحي والبساتين من نواحٍ أخرى، ونواحٍ ثالثة قد تكون هي الثغرة التي يمكن أن يستغلها الغزاة للدخول، فأشار على النبي بحفر ذلك الخندق الذي تسمت بإسمه غزوة الأحزاب، الذين تجمعوا على وأد دولة الإسلام في المدينة، إذ نجح سيدنا سلمان رضي الله عنه في طرح ابتكار عسكري استراتيجي لإدارة عمليات المواجهة والمناورة على نحو غير مألوف.

لقد أقام  النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإيمان في القلوب، و أقام دولة السياسة في واقع الحياة، وأقام دولة الجيش لحماية الدولة، من خلال منظومةٍ متكاملة تتحرَّك على الأرض، وتسيِّر أمور الناس، وتحدِّد كافة الأسس والعَلاقات التي تربط وجودهم بما حولهم.  

                   كل عام وانتم بخير

                                                 أشرف رشاد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق